وعدت الهواتف الذكية بإطلاق هويتنا العامة، ومنحت أي شخص منصة لعرض حياته اليومية وبناء جمهور. ومع ذلك، وإلى جانب هذا التوسع الرقمي، ظهرت حركة مضادة تمثلت في رغبة الناس في الابتعاد عن الإنترنت. نرى ذلك في عودة الأسطوانات الموسيقية القديمة، والتصوير الفوتوغرافي التقليدي، وفي قلب هذا الاتجاه تمامًا: الكتب الورقية.

على منصات مثل “بوك توك” و”بوكستغرام”، تحولت القراءة إلى تجربة بصرية وجمالية. يرى البعض في ذلك إحياءً ثقافيًا مرحبًا به يجعل الأدب أمرًا جذابيًا وممتعًا، بينما يصفه آخرون بالنفاق الاستعراضي، لأنه اتجاه يستخدم الشاشات نفسها التي نحاول الهرب منها لنعرض حياتنا “الخالية من الشاشات”. وهذا يطرح سؤالًا أساسيًا: هل يجب أن تكون القراءة نشاطًا علنيًا استعراضيًا أم عملية خاصة تمامًا؟

الكتب كرمز للذكاء والذوق في المساحة الرقمية

نادراً ما يكون الكتاب مجرد قصّة؛ بل يعمل كعملة بصرية. إن وضع كتب الفلسفة أو الأدب الكلاسيكي على طاولة مقهى بجانب فنجان القهوة ليس أمراً عفوياً؛ بل يستحضر أنماطاً بصرية شهيرة مثل “الأكاديمية المظلمة”، و”الرفاهية الهادئة”، والرموز الفكرية للأدب الأوروبي. واستنادًا إلى مفهوم “رأس المال الثقافي” لعالم الاجتماع بيير بورديو، فإن عرض عناوين معينة يبعث بإشارات إلى الجمهور تدل على الذوق الرفيع، والعمق العاطفي، والذكاء العالي.

الكتب كسلعة استهلاكية

يغذي هذا العرض الاستعراضي بشكل طبيعي سوقاً ثانوية: تحويل الأدب إلى سلعة قابلة للاقتناء. أصبحت دور النشر الآن تصمم الكتب خصيصاً لتكون جذابة على الشاشات، فتصدر طبعات خاصة بأطراف ملونة، وأغلفة ذات حروف ذهبية براقة، ومجموعات متناسقة الألوان صُممت خصيصاً لتجذب العين في مقاطع الفيديو. كما أن الاتجاهات المنتشرة على الإنترنت مثل تصوير أرفف الكتب أو عرض المشتريات الكبيرة تشجع على شراء الكتب بسرعة أكبر مما يمكن لأي شخص قراءته فعلياً. في هذه البيئة، أصبحت القراءة جزءاً من النمط الاستهلاكي الفائق، حيث تحولت القيمة الأساسية من التجربة الداخلية للقراءة إلى الملكية المادية واقتناء أشياء جميلة.

حجة المؤيدين للقراءة العلنية:

إحياء ثقافي على الرغم من فخ الاستهلاك، فإن هذا المشهد العلني يحقق فوائد ثقافية لا يمكن إنكارها:

  • تراجع انخفاض مستويات القراءة: أسهمت الاتجاهات المنتشرة على الإنترنت بشكل مباشر في زيادة مبيعات الكتب الورقية بين جيل الشباب، وأعادت الإقبال على المكتبات المستقلة والمكتبات العامة.
  • إنشاء “مساحات ثالثة” عبر الإنترنت: كانت القراءة تاريخياً عملاً فردياً، لكن وسائل التواصل الاجتماعي خلقة مجتمعات افتراضية يتشارك فيها القراء مشاعرهم، ويدونون ملاحظاتهم معاً، ويكتشفون أشخاصاً يشاركونهم الشغف نفسه.
  • تغيير المفاهيم السائدة: يسهم العرض العلني لعادات القراءة في تغيير العادات الثقافية العامة. فمن خلال إبراز الأدب، يصبح التركيز العميق أمراً جذاباً ومفضلاً مقارنة بالتصفح العشوائي للأنترنت.

حجة المعارضين للقراءة العلنية

فخ السلعة ومع ذلك، عندما تُسحب القراءة بالكامل إلى الساحة العامة، فإن جوهرها الأصلي يصبح مهدداً:

  • التركيز على الأرقام: عندما تتحول القراءة إلى لعبة تعتمد على حساب عدد الصفحات والتحديات السنوية على تطبيقات مثل “جودريدز”، تصبح القراءة مجرد سباق سريع، ويحل التصفح السريع محل الفهم العميق والبطيء.
  • خسارة الخصوصية والتأمل الذاتي: كانت القراءة دائماً توفر ملاذاً داخلياً خاصاً، ومساحة خالية تماماً من أحكام الآخرين حيث يمكن للقارئ التفكير في الأفكار بفرده. إن عرض هذه العملية للعلن يجعل التجربة الداخلية الخاصة عرضة للتقييم والبحث عن إعجاب الجمهور.

خاتمة متوازنة

من السهل أن يشعر المرء بالتردد هنا. فمن ناحية، يُعد رؤية الشباب يحتفلون بالكتب عبر الإنترنت أمراً ملهماً. ومن ناحية أخرى، يواجه الكثير منا رغبة داخلية في تحويل لحظاتنا الخاصة إلى محتوى رقمي. عندما نتوقف في منتصف الفصل لنلتقط صورة، فإننا نقطع اندماجنا ونخرج من تفكيرنا الفردي. في النهاية، قد لا يكون استخدام الهاتف الذكي للترويج لحياة بعيدة عن التقنية نفاقاً بالضرورة، بل ربما هو مجرد الطريقة التي يتواصل بها العالم الحديث.


عن الكاتب 🖋️

أنا زينة، مترجمة من الإنجليزية إلى الفرنسية (أدبي 📚 | فوري 🎙️ | SEO ). هنا أكتب عن شغف اللغات، عالم الكتب، وكواليس صناعة الترجمة! 🌍✨


Image Credits

The images used in this article are under the Unsplash license and were produced and published by Road Trip with Raj.



اكتشاف المزيد من Dadiyyat

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

Trending

اكتشاف المزيد من Dadiyyat

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة